PONT POST
English

معركة تركيا ضد الزمن والمصالح المتضاربة حول مصير ادلب

  • كتب بواسطة PONT POST
  • أكتوبر 29, 18

مارك أنطونيو روهانا
معهد الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات الاستراتيجية
الترجمة: بونت بوست

كان يوم 15 أكتوبر/تشرين الأولالموعد النهائي حسب اتفاق سوتشي لإخراج جميع الفصائل الإرهابية المتطرفة من المنطقة المنزوعة السلاح في محافظة ادلب. لكن وبالرغم من عدم نزع فصائل ادلب الراديكالية سلاحها أو تفكيكها، إلا أنه لم يحدث أي شيء على الأرض. إن تقييم الوضع العام لمحافظة ادلب والمصالح المختلفة للأطراف، بالإضافة إلى السيناريوهات المتوقعة بشأن مصير ادلب،لها أهمية بالغة، حيث بات يرتبط مسار الحرب السورية بشكل جوهري بمستقبل ادلب.

لذلك، ستتناول هذه المقالة السؤال التالي: ما مدى أهمية دور تركيا في تجنب سفك الدماء في ادلب وما هي العواقب المترتبة على ذلك في حالة الفشل؟

المداولات حول مستقبل ادلب: الحلفاء ومصالحهم
في حين أن اتفاق سوتشي قد يحبط ولو مؤقتاً معركة متوقعة في ادلب، إلا أن احتمالات منعها لأية مواجهة عسكرية تكون ضعيفة نتيجة المصالح المتضاربة للأطراف المعنية كما هو الحال بالنسبة لمتطلباتها الزمنية غير المحتملة. وبالتالي، فإن الأمر يستحق تقييم السيناريوهات المحتملة المتوخاة بالإضافة إلى المصالح والتوقعات الخاصة بالجهات الفاعلة الرئيسية المشاركة في مصير ادلب، خاصة تركيا وروسيا، الضامنين الأساسيين المعنيين لاتفاقية سوتشي الوحيدين القادرين على إجراء التفاوض وبذل الجهد والتعاون لمنع واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخ الحرب السورية.

هناك خمسة أطرافهامة لها تأثير على مسار الأحداث في ادلب، وبالتحديد تركيا وروسيا والحكومة السورية وإيران والقوى الغربية التي تقودها الولايات المتحدة.

إن تجنب شن أي هجوم عسكري من قبل الحكومة السورية على ادلب مهمة مستحيلة على الأرجح تقع في يد تركيا الحريصة على منع ذلك من أجل إبقاء المنطقة تحت السيطرة،لأن أي هجوم من شأنه أن تكلف تركيا اقتصادياً وإنسانياً، وتخشى تركيا من أن يؤدي حالة عدم الاستقرار إلى دفع المزيد من اللاجئين عبر حدودها مما يهدد أمن البلاد وضعف الاقتصاد. تقاتل تركيا اليومفي وجه الزمن، خاصة فيما يتعلق بالمهمة المحفوفة بالمخاطر المتمثلة في ثني روسيا عن عزمها عن دعم الغارات الجوية من قبل النظام السوري وكذلك من خلال نزع سلاح الجماعات المتمردة المتحالفة معها في المحافظة في الوقت الذي تقوم فيه بحل المنظمات المتطرفة التي يستهدفها الممثلون المعنيون بحربهم المعلنة ضد الإرهاب.

تركيا، التي تدخلت عسكرياً في شمال سوريا في العام 2016 لتحييد التهديد الكردستاني المتمثل بوحدات حماية الشعب، استثمرت بقوة في دعم الجماعات المناهضة للحكومة في سوريا، وركزت على تمييز المعارضين المعتدلين عن أولئك المرتبطين بالقاعدة. ومع ذلك، فإن مشهد الذي يقدمه المتمردين في ادلب يعقِّد مهام تركيا.

تسيطر على ادلب وبشكل رئيسي جماعتين متعارضتين:

هيئةتحرير الشام: وهي إحدى الفروع التابعة لتنظيم القاعدة والتي تعتبرها الجهات المعنية مجموعة إرهابية تسيطر على ما يقرب 60٪ من أراضي المحافظة.

الجبهة الوطنية للتحرير: وهي عبارة عن تحالف من مجموعات معارضة معتدلةمدعومة من قبل تركيا.

إن المشهد اليوم معقد بسبب وجود فصائل إسلامية أصغر حجماً وأشد تطرفاً تتألف بشكل أساسي من مقاتلين أجانب مثل الحزب التركستاني المكون من مقاتلي الأويغور الذين بدأوا في شن هجمات مدمرة على القواعد العسكرية الروسية. يبدو أن هجوم النظام السوري على ادلب يلوح في الأفق،ومنعاً لذلك، استخدمت تركيا استراتيجية التسوية والسيطرة بهدف إعادة هيكلة هيئة تحرير الشام وإبعاد المتشددين المتعصبين.

كما تتابع تركيا قوى المعارضة المعتدلة لتوحيد جهودها تحت جناح الجبهة الوطنية للتحرير من أجل مواجهة الميول المتشددة لهيئة تحرير الشام بقوة مضادة أكثر تماسكاً معتبرة أنها، أي هيئة تحرير الشام، أصبحت غير مرغوبة شعبياً في شمال غربي سوريا نتيجة العنف الذي سببته هيمنتها العسكرية في محافظة ادلب.

وبالرغم من رفض هيئة تحرير الشام المستمر لحل نفسها، فقد قامت تركيا وبشكل مطرد في توسيع نطاق هيمنتها على فصائل هذه المجموعة في ظل انتقاد الجهاد يين للجولاني بسبب موقفه المتساهل وعلاقته المشبوهة مع تركيا. لذلك، تجمع هؤلاء الجهاديين المتطرفين ضمن فصيل صغير مؤيد للقاعدة يدعى حراس الدين. في ظل هذه الظروف وفي ظل الاستفادة من الاتفاق الروسي، يمكن لتركيا متابعة إدارتها لملف الجهاديين في ادلب عبر الضغط على أعضاء هيئة تحرير الشام لتقسيمهم بين أولئك الذين يقفون لجانب تركيا، والذين يفضلون الفصيل الراديكالي الأصغر ألا وهو حراس الدين.

تمركزت تركيا في 12 نقطة مراقبة في محافظة ادلب، وهي تشبه على نحو متزايد قواعد العمليات المحصنة المجهزة بشكل كافٍ في حالتعرضها لأعمال عدائية محتملة. ومع ذلك، من الجدير بالذكر أن هناك ملاحظتين هامتين،ففي الحين الذي يفوق فيه أعداد مقاتلي الجماعات المتمردة المدعومة من تركيا على أعداد مقاتلي القاعدة والجهاديين الراديكاليين، إلا أن الجبهة التي تدعمها تركيا تتكون في الغالب من منظمات محلية مؤقتة ومفككة تفتقر إلى مستوى التدريب والاستراتيجيات العسكرية التي تمتلكها جماعات القاعدة،مثيرة بذلك مسألة قدرات تركيا على سيطرتها على هؤلاء الإرهابيين المتشددين.

من المثير للاهتمام، أنه إذا تم شن هجوم سوري، فإن مجمل مقاتلي ادلب المتمردين، بغض النظر عن الانقسامات الداخلية والمواقف المتباينة فيما بينها، سيضافرون جهودهم لصد الهجوم السوري، لأنهم يتشاركون روح الكراهية المتبادلة تجاه نظام الأسد والالتزام بالحفاظ على معقل المعارضة الأخير.

تلعب روسيا إلى جانب تركيا دوراً حاسماً في تجنب معركة مدمرة في ادلب. على الرغم من عدم وجود مكسب استراتيجي مباشر في ادلب، فإن موسكو قادرة على التأثير في مسار الأحداث في ادلب،وذلك من خلال مواءمة خيارها المناسب فيها، إما الوقوف إلى جانب تركيا وحرمان النظام السوري من دعمه الجوي، أو اتخاذ قرار بدعم الهجوم العسكري السوري على ادلب في حال عجز تركيا عن حل الفصائل الراديكالية وتجريد الجماعات المتمردة من السلاح.

تعاني روسيا من خيارين متناقضين فيما يتعلق بادلب: من جانب، تشارك موسكو طموح دمشق وطهران في استعادة ادلب والقضاء على الجهاديين المتشددين والمنظمات الإرهابية. حيث يشكل قتال الإسلاميين الشيشان أو المتطرفين الإسلاميين القادمين من البلقان جزءاً رئيسياً من خطاب الأمن القومي الروسي الذي ينطوي على هجوم سوري بالاستفادة من الدعم الجوي الروسي في حال عدم وجود بدائل أخرى للقضاء على التهديد الراديكالي.

أما من جانب آخر، يكمن اهتمام روسيا في تجنب هجوم واسع النطاق على ادلب، وبدلاً من ذلك،فقد اختارت استراتيجية مماثلة لتلك التي اختارتها في بصرى الشام في يوليو/تموز 2018 عندما استسلمت فصائل المتمردين للجيش السوري وسلمت أسلحتها.

 

بالنظر إلى التضاريس الجبلية في ادلب، فإن العدد الكبير من الجماعات المتمردة المسلحة والجهاديين المدربين تدريباً عالياً والوجود الهائل للمدنيين والمخاطر على المعدات الروسية والموظفين الروس والاستثمار المكلف في عملية جوية واسعة النطاق، قد يبدو مكلفاً إلى حد كبير بالنسبة لروسيا التي تفضل حلاً سياسياً للصراع أكثر من الحل العسكري.

إلى جانب تدخلها العسكري في سوريا، تركز روسيا أيضاً على ضمان وجود سياسي طويل الأمد في سوريا. لذلك، ومحاولة منها لإرضاء المجتمع الدولي واكتساب المزيد من النفوذ في المفاوضات السياسية اللاحقة أو القضايا شبه السورية مثل أزمة أوكرانيا.

كانت روسيا تجري اتفاقيات ومفاوضات مع تركيا والدول المجاورة بما في ذلك مبادرتها لعودة اللاجئين السوريين وعرض مشاركتها في عملية إعادة البناء والتطبيع السياسي في سوريا. إذا حدث هجوم على ادلب، ستعرض روسيا تقاربها مع تركيا ومبادراتها من أجل تأمين المزيد من الاستقرار في سوريا ومستوى شرعيتها فيما يتعلق بالمشهد الدولي للخطر. ومع ذلك، هناك شكوك حول قدرة موسكو على ردع الحكومة السورية والميليشيات الإيرانية من شن عملية عسكرية واسعة النطاق على ادلب، مما يبرز الحاجة إلى التعاون مع تركيا بشأن حل هيئة تحرير الشام والمقاتلين الأجانب الراديكاليين.

ليس لإيران أي اهتمام مباشر بمصير ادلب، وخاصة بعد أن أكملت وبنجاح إجلاء المدنيين الشيعة السوريين من قريتي كفريا والفوعا اللتين يسيطر عليها المتمردون في شمال غربي البلاد منذ يوليو/تموز 2018.

على الرغم من أن هدف طهران الرئيسي هو بسط سيطرتها ووجودها في سوريا بشكل دائم كجزء من سياستها الإقليمية الواسعة، فإن دعمهالنظام الأسد في القضاء على المعقل الرئيسي الأخير للمعارضة السورية يمكن أن يقوض فعلياً استراتيجيتها الطويلة المدى.

من خلال ممارسة نفوذها الإقليمي عبرحلفاءها من الميليشيات المحلية المدعومة، تستطيع إيران تنفيذ سياساتها المهيمنة في المنطقة طالما أن حالة عدم الاستقرار والمواجهات العسكرية والمنظمات الإرهابية لا تزال سارية في البلدان التي تفتقر إلى الاستقرار كذريعة لطهران من أجل متابعة وتحقيق طموحاتها.

قد يؤدي الهجوم المدمر للنظام والقضاء على الوجود المادي للمعارضة إلى تغيير المعايير الحالية وإثارة العقوبات الغربية التي تتصدى وتتحدى النفوذ العسكري الإقليمي لطهران التي لا تملك المزيد من الأعذار لتبرير إما استمرار العمليات العدائية، أو شرعية نظام الأسد.

 

يكمن مصلحة الحكومة السورية الوحيدة في استعادة السيطرة المطلقة على أراضيها وإعادة تأكيد سيادتها والقضاء على جميع الأعداء بالوسائل العسكرية من أجل تقليص حجم المعارضة السورية للمساومة في الدعوات المستقبلية للمفاوضات.

ومع ذلك، وبالنظر إلى نزيف النظام السوري الكبير من السلاح والفقر المتراكم والحرب الطويلة والمدمرة بالإضافة إلى التحذير العقابي من الغرب بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية، تبقى الشكوك قائمة فيما إذا كان بإمكانها في الواقع تحمل هجوم عسكري أرضي واسع في حال حرمان روسيا للنظام من دعمها الجوي لها وحجب إيران للدعم البري من حيث سحب ميليشياتها المدعومة، وبالتالي، عدم إعطاء الضوء الأخضر للعملية.

يبدو أن الولايات المتحدة غير مهتمة باحتمالات شن هجوم عسكري كبير على ادلب، مما يترك مستقبل المحافظة بين يدي تركيا وروسيا. حيث صرحت إدارة ترامب بوضوح أنها لا تقف ضد هجوم عسكري محدود على ادلب يستهدف أعضاء هيئة تحرير الشام، إلا أن الولايات المتحدة وحلفائها هددوا بعمل عسكري تأديبي إذا ما قام نظام الأسد بمهاجمة ادلب وقتل المدنيين بشكل متهور وتكرار استخدامها للأسلحة الكيميائية، وهذا تكتيك عسكري غير مشروع يستخدم عندما تكون الأسلحة التقليدية غير كافية لتحقيق تقدم في ساحة المعركة. لقد حددت سياسة فك الارتباط الخاصة بترامب أن قلق واشنطن الرئيسي كان أكثر تركيزاً على استئصال داعش وغيرها من المنظمات الإرهابية التي تشكل تهديداً للأمن القومي للبلاد ومنع إيران من الاستفادة ومن توسيع نفوذها في المنطقة أكثر من الدور الذي سيحصل عليه الأسدفي سوريا ما بعد الحرب.

من أجل تجنب تهديد أمنهم بسبب التدفقات الجماعية للاجئين السوريين عبر تركيا وتحدي القيم الأوروبية فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان مثل الحقوق المدنية، يبدو أنه لا مفر من قيام الدول الأوروبية بتضخيم موقفها الصارم ضد هجوم عسكري شامل على ادلب.

إن تجنب كارثة إنسانية قد يستفيد من دعم أوروبا لتركيا من خلال الضغط على الحكومة السورية وروسيا لتجنب استخدام الوسائل العسكرية المدمرة على حساب الشعب السوري، حيث ستتبعها تكلفة سياسية، مما يحرم روسيا من تحقيق طموح ما بشروطها الخاصة وتهديد نظام الأسد بأموال إعادة الإعمار اللازمة لإعادة بناء البلاد.

مقالات دات صلة

لا قيمة للضمانات الروسية.. النظام يعتقل “العائدين” و يسوقهم للتجنيد

نوفمبر 18, 18

بونت بوست – قال “المرصد السوري لحقوق الإنسان” نقلاً عن مصادره إن الاعتقالات طالت العائدين من تركيا ولبنان والأردن ومن دول أخرى، كما طالت حتى العائدين من مخيمات النزوح في الشمال السوري والبادية السورية.   ووثق المرصد اعتقال أكثر من 700…

تنفيذا لقرار العقوبات الأمريكية.. مطار “رفيق الحريري” يمتنع عن تزويد طائرات النظام السوري بالوقود

نوفمبر 18, 18

بونت بوست – قرر مطار “رفيق الحريري” الدولي في العاصمة بيروت الامتناع عن تزويد طائرات النظامين الإيراني والسوري بالوقود تنفيذاً للعقوبات المفروضة من الولايات المتحدة على البلدين.   وذكرت تقارير أن المطار التزم بالقرار الدولي الذي يخضع شركات طائرات البلدين…