تركيا وأوروبا.. أزمة دبلوماسية عابرة أم حقبة سياسية جديدة؟

532

لم تكن العلاقات التركية – الأوروبية “حسنة” أو “جيدة” طوال تاريخها القصير نسبياً، فقد شهدت على مدار السنوات الماضية حالات جزر فاقت بطبيعة الحال “شهر العسل” بين الجانبين، اللذين سعيا في مراحل عدة لامتصاص التصعيد و”تبريد” التوتر كلما شارفت العلاقات الثنائية على الانهيار.

أزمة دبلوماسية تفجرت أخيراً بعد رفض السلطات الهولندية منح إذن الهبوط لطائرة كانت تقلّ وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو؛ لدواعي “الأمن والنظام العام”.

وقال بيان للحكومة الهولندية، نقلته “رويترز”، إن مجلس الوزراء سحب حقوق هبوط طائرة وزير خارجية تركيا لدواعي الأمن والنظام العام. وأكدت الحكومة الهولندية أن تهديد تركيا بعقوبات جعل التوصل إلى حلول مع أنقرة “أمراً مستحيلاً”، وفق وسائل إعلام هولندية.

المنع الهولندي جاء عقب تصريحات للوزير التركي، هدد فيها بفرض عقوبات سياسية واقتصادية على هولندا إذا لم تسمح سلطات أمستردام بالمشاركة في لقاء انتخابي مع الجالية التركية بأمستردام.

وكان وزير الخارجية التركي أكد، في وقت سابقٍ السبت، أنه سيبقي على زيارته المقررة إلى هولندا رغم معارضة سلطات أمستردام، التي منعت تجمعاً مؤيداً للتعديلات الدستورية المقرر إجراء استفتاء بشأنها منتصف الشهر المقبل، وتمنح صلاحيات أكبر لمؤسسة الرئاسة.

الوزير التركي حذر قبيل سفره من أن بلاده سترد بعقوبات اقتصادية وسياسية “قاسية” إذا منعته هولندا من السفر إلى روتردام، وتابع: “إذا كانت زيارتي ستزيد من التوتر فليكن”، مضيفاً: “ما الضرر الذي يمكن أن تحدثه زيارتي؟”.

واتهم جاويش أوغلو الحكومة الهولندية باتخاذها “المغتربين الأتراك لديها رهينة، بمنعها تنظيم تجمع مؤيد للتعديلات الدستورية في تركيا”.

وزير الخارجية الهولندي، بيرت كوندرز، قال الخميس إن بلاده لن تسهل زيارة جاويش أوغلو المقررة إلى هولندا، موضحاً أن السلطات لن تشارك في زيارة مسؤول حكومي تركي يريد القيام بما سماه “دعاية سياسية لاستفتاء في هولندا”.

وسبق لرئيس الوزراء الهولندي، مارك روتي، أن قال في وقت سابق إن أمستردام لا تسمح لساسة الدول الأخرى باستخدام أراضيها لحملاتهم الانتخابية.

زعيم حزب الحريات اليميني المتطرف في هولندا، خيرت فيلدرز، أعلن الاثنين الماضي أنه تقدم بطلب لتنظيم مظاهرة أمام السفارة التركية في مدينة لاهاي؛ للتنديد بمشاركة وزير الخارجية التركي في تجمع للأتراك، وسبق أن طالب فيلدرز بإعلان المسؤولين الأتراك أشخاصاً غير مرغوب فيهم إلى حين إجراء الاستفتاء في تركيا.

غضب تركي

يعد الحظر هو الأحدث ضمن سلسلة فرضتها عدة دول أوروبية على زيارات مسؤولين أتراك للمشاركة في تجمعات لمهاجرين أتراك مؤيدين للتعديلات الدستورية في بلادهم.

سوابق الدول الأوروبية المتكررة في منع تجمعات لمسؤولين أتراك للقاء الجالية التركية ببلادها، بدأت من ألمانيا والنمسا وسويسرا؛ إذ حظرت هذه الدول تجمعات سابقة بحجة عدم القدرة على تأمينها، لكن قدرة تركيا على التحمُّل نفدت مع منع طائرة وزير خارجيتها من الهبوط في هولندا، رغم حالة التشاحن والحرب الإعلامية التي اندلعت عقب موقف الدول الأوروبية، والتي حدت بالرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى وصف الممارسات الألمانية بأنها تذكِّر بحقبة النازية.

احتقان متراكم

يبدو التشنج الحاصل في العلاقات التركية-الأوروبية وليد تراكم من خيبات الأمل التي تشعر بها أنقرة تجاه بروكسل.

فمنذ الانقلاب الفاشل في تركيا منتصف يوليو/تموز الماضي، والذي ترددت عواصم أوروبية عدة في إدانته والوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية ضد الانقلابيين، والاكتفاء بدور “المنظِّر” في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، كما وصفت بذلك أنقرة مواقف العديد من العواصم الأوروبية، وتركيا تشعر بمرارة “الخذلان” تجاه نظرائها الأوروبيين.

سبق ذلك عدم التزام بروكسل ببنود اتفاقية إعادة اللاجئين مع تركيا، والتي طالبت فيها أنقرة بمليارات الدولارات مقابل إعادة القادمين إلى “الفردوس الأوروبي” عبر أراضيها، وتسهيل حصول مواطنيها على تأشيرات دخول الصيف الماضي، وهو الاتفاق الذي لم ير النور حتى الآن.

وبين الأزمتين اللتين ترقدان تحت جمر التوتر، اتهامات تركية متزايدة لعواصم أوروبية بدعم أنصار الكيان الموازي وجماعة فتح الله غولن المتهمة بتدبير انقلاب يوليو/تموز، ولا سيما في ألمانيا والنمسا، فضلاً عن نشاط التيارات الكردية بحُرية في أوروبا في مقابل ما تعتبره أنقرة التضييق على فعاليات التأييد لها ومناصرتها، الأمر الذي تعده تركيا تمييزاً في المعاملة لا يمكن القبول به.

شعبوبية انتخابية

لا تبدو الأزمة المتفجرة بين أمستردام وأنقرة سوى نتيجة طبيعية لنمو نزعات “الشعوبية” وهيمنة خطاب اليمين المتطرف في أوروبا قبيل الانتخابات التي من المفترض إجراؤها في عدد من البلدان الأوروبية بالتساوق.

فكل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، وأخيراً هولندا، التي سوف تجري انتخاباتها العامة منتصف شهر مارس/آذار الحالي، تعاني تنامي موجة اليمين المتطرف وبروز زعاماته ذات الكاريزما المشابهة لنظيرتها على ضفة الأطلسي الأخرى (واشنطن).

هذا الصعود الكبير يزلزل أركان الحكومات الأوروبية الحالية، وعلى رأسها حكومة المرأة الحديدية في ألمانيا، أنجيلا ميركل، فهي ومعها باقي حلفائها من الحكومات الأوروبية، تتراجع شعبيتها أمام ضربات اليمين المتطرف، وصعوده المخيف، وتخشى من استغلاله أي حدث “شعبوي” بإمكانه أن يهز صورتها أمام الناخب العادي، فكيف بحدث من حجم تنظيم فعاليات وتجمعات شعبية لأكبر جالية مسلمة في معظم البلدان الأوروبية، وذاكرة المخيال الجمعي للمواطن الأوروبي تنفخ فيها أبواق اليمين المتطرف، لتذكر بحصار العثمانيين لحاضرتهم التاريخية فيينا؟

هي أزمة دبلوماسية كبيرة لا يمكن التقليل من حجمها أو احتواؤها بسهولة، لا سيما أنها وصلت إلى مرحلة التنابذ بألقاب العهد القريب لكلا الجانبين، تحاول من خلالها أوروبا، المرتعدة من صعود أجنحتها المتطرفة، استغلال التوتر ما لم نقل “العداء” التاريخي مع العثمانيين الأتراك، لتعزيز رصيد أحزابها لدى الناخب “المتردد”.

وإذا كانت المواقف “المتخاذلة” للحكومات الأوروبية تجاه أنقرة إزاء عدد من القضايا العالقة، قد أحبطت تركيا وجعلتها تنتظر طويلاً على أبواب بروكسل لقبول عضويتها ضمن “النادي الأوروبي”، فإن “نشوة” أنقرة بقدرتها على اتخاذ قرارات عسكرية تراعي مصالحها القومية الخاصة (عملية درع الفرات في سوريا)، من دون انتظار دعم الحلفاء في أوروبا أو حلف الناتو من جهة، وتوثق العلاقات الروسية-التركية، التي من المتوقع أن تتحول إلى “تحالف” في مواجهة أوروبا “المتكبرة”، من جهة أخرى، قد تعيد حسابات تركيا في تحالفاتها الدولية.

فهل تؤذن الأزمة الحالية بدخول العلاقات بين الجانبين مرحلة: “هذا فراق بيني وبينك”؟!

بقلم: هشام منور – الخليج اونلاين

اترك تعليق