القمة الأصعب بين أردوغان وترامب

779

كانت العلاقة التركية – الأميركية في نهاية عهد باراك أوباما في أسوأ حالاتها، ومازال هذا أمرها في عهد دونالد ترامب، ولا سيما مع استمرار الدعم الأميركي لكرد سورية، والاعتماد عليهم في معركة تحرير الرقة من “داعش”، وسط تجاهل واضح لدور تركيا، الحليف التاريخي لواشنطن والدولة العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وقد زاد الإصرار الأميركي على المضي في دعم كرد سورية، على الرغم من الاعتراضات التركية، شكوك أنقرة إزاء النيات الأميركية، ولا سيما أن الأمر يتعلق بقضية حساسة، تشكل جوهر الأمن القومي التركي. وعليه، يمكن فهم الرسائل التركية التي انهالت على واشنطن قبل قمة أردوغان- ترامب المقرّرة في السابع عشر من مايو/ أيار الجاري، ولعل من أهم هذه الرسائل الغارات التركية على مواقع حزب العمال الكردستاني في سنجار- شنكال في شمال العراق، ومواقع قيادية لوحدات حماية الشعب في كراتشوك – قره جوخ في أقصى شمال شرق سورية في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، بل وصل الأمر بإيلنور تشيفيك مستشار أردوغان إلى التلويح بضرب القوات الأميركية في سورية، إذا واصلت دعم كرد سورية، ولعل هذا أبلغ رسالة تركية إلى واشنطن بأن أنقرة مستعدّة للتحرك ميدانياً، إذا ما وجدت أن أمنها القومي معرّض للخطر، وإنها لن تسمح للكرد بالانفراد في السيطرة على الرقة. وعليه، فإن حسم إطلاق معركة الرقة والقوى التي ستشارك بها بشكل نهائي يبدو مرتبطاً بنتائج قمة أردوغان ترامب.

يذهب الرئيس التركي إلى القمة، وهو مدعم بمظلة روسية وإقليمية إلى حد كبير، فاتفاق التفاهم الذي وقع في أستانة لإقامة مناطق منخفضة التوتر جاء في صالح الاستراتيجية التركية إزاء الأزمة السورية، حتى وإن كان مضمونها لا يتوافق مع مفهوم إقامة المناطق الآمنة التي طالبت بها تركيا مراراً، كما أن هذا الاتفاق جاء لصالح مواقف أطراف الأزمة السورية، وكذلك الدول الإقليمية الرافضة المساعي الكردية الهادفة إلى إقامة فيدرالية تؤسس لإقليم كردي في الشمال

“لعل القصف التركي للمواقع الكردية شكّل رسالةً تركية مسبقة للقمة بأن أنقرة لن تراعي، بعد اليوم، البعد الأميركي في سياستها إزاء الملف الكردي” السوري، على غرار كردستان العراق. وعليه، فإن الموضوع الأبرز على طاولة قمة أردوغان– ترامب سيكون ملف الدعم الأميركي لحزب العمال الكردستاني، وفروعه في العراق وسورية، وهو الأمر الذي بات يشكل عقدة العقد في علاقات البلدين، ولعل القصف التركي للمواقع الكردية شكّل رسالةً تركية مسبقة للقمة بأن أنقرة لن تراعي، بعد اليوم، البعد الأميركي في سياستها إزاء الملف الكردي، وعلى واشنطن أن تحدّد موقفها بوضوح من هذا الملف الحسّاس.

حتى الآن، لا تبدي الإدارة الأميركية، ولا سيما وزارة الدفاع (البنتاغون) أي تغيير في موقفها من التحالف مع الكرد، إذ يتواصل الدعم العسكري الأميركي لوحدات الحماية الكردية على قدم وساق، والاعتماد على قوات سورية الديمقراطية في معركة الرقة بات واقعاً، بعد أن حاصرت هذه القوات مدينة الرقة، عقب سيطرتها على معظم مدينة الطبقة الاستراتيجية. وعليه، ثمّة سيناريوهات عن إمكانية توجه الإدارة الأميركية إلى اعتماد استراتيجية مقبولة، تتضمن ما يشبه ضماناتٍ لتركيا، بخصوص احتواء الصعود الكردي، من خلال عدم السماح للقوات الكردية بالسيطرة على مدينة الرقة مستقبلاً، وتسليم إدارتها، بعد تحريرها، إلى المكوّن العربي، وانكفاء الكرد على مناطق شرقي الفرات، وتحديداً في مناطق الوجود الكردي تاريخياً. فالثابت أن أولوية الإدارة تتلخص في قضيتين أساسيتين: إلحاق هزيمة كبرى بداعش في الرقة. وعدم خسارة الحليفين الكردي والتركي. الكردي لأسباب تتعلق بالتوازنات الدولية القائمة في الأزمة السورية، بعد أن أصبح الكرد الحليف الوحيد لأميركا في سورية. والتركي لأسباب استراتيجية، تتعلق بأهمية الجيوسياسية التركية للسياسة الأميركية، والنزاع مع روسيا على الشرق الأوسط وأهمية تركيا للغرب عموماً في الصراعات الدولية الجارية.

لا يعني حرص الطرفين، الأميركي والتركي، على العلاقة التاريخية لأسبابٍ تتعلق بمصالح كل طرف، التغافل عن اللحظة الحرجة التي وصلت إليها هذه العلاقة. ويبدو أن الملف الكردي هو الأكثر حساسية في هذه اللحظة، فتركيا تريد موقفاً واضحاً ينحاز للتحالف التاريخي معها. وحسبها، فإن غير ذلك يعني العمل ضد أمنها القومي والوطني، فيما واشنطن مستمرة في دعمها الكرد، وتتمسك بسياسة إدارة لعبة التوازنات مع الحليفين التركي والكردي، ما يجعل من قمة أردوغان– ترامب الأصعب على شكل لحظةٍ مفصليةٍ في علاقات واشنطن وأنقرة.

للكاتب خورشيد دلي

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليق