PONT POST
English

انسحاب القوات الأمريكية يبشر بسوريا الجديدة

  • كتب بواسطة PONT POST
  • ديسمبر 29, 18

قد يظهر ما يمكن أن يكون نظاماً سورياً أكثر استقراراً بعد الصراع، حيث قد يكون لدى اسرائيل نفسها الكثير لتشعر بالراحة بشأنه

م. ك. بادراكومار
26 ديسمبر/كانون الأول 201
8

ترجمة: بونت بوست

خلافاً لتنبؤات يوم القيامة حول مصير سوريا بعد “الانسحاب الكامل” للقوات الأمريكية، ما يمكن أن يحدث هو تخفيف شامل للتوترات في نظام سوري أكثر استرخاءً بعد الصراع حيث قد يكون لدى اسرائيل حتى الكثير مما تشعر بالراحة بشأنه.


مع إصدار البنتاغون للأمر الرسمي بشأن الانسحاب، انتهت حالة الشك الكبيرة: يتم تنفيذ قرار ترامب الآن، والأنظار تتجه إلى انسحاب القوات الأمريكية.


بعد محادثة هاتفية كانت الثانية خلال أسبوع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمناقشة خطة الانسحاب، قال ترامب أنه سيكون “انسحاباً بطيئاً ومنسقاً للغاية.”


كما أكدت قراءات تركية أنه: “اتفق الزعيمان على ضمان التنسيق بين المسؤولين العسكريين والدبلوماسيين وغيرهم لتجنب حدوث فراغ في السلطة يمكن أن ينجم أثناء مرحلة الانسحاب والانتقال في سوريا”.


وقد كشف أردوغان يوم الاثنين الماضي أن وفدا عسكرياً أمريكياً سيزور تركيا هذا الأسبوع لمناقشة التفاصيل. وفي نفس اليوم، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في أنقرة أنه سيسافر إلى روسيا “لتقييم عملية” انسحاب القوات الأمريكية.


لا فراغ في السلطة


في الواقع، ستجري تركيا مناقشات متتالية مع كل من الولايات المتحدة وروسيا.
في هذه الأثناء، تمركزت القوات التركية على الحدود مع سوريا، وقال جاويش أوغلو إنهم “يخططون لدخول مناطق شرقي نهر الفرات في أقرب وقت ممكن”. مضيفاً أن تركيا “تعمل على التأكد من عدم وجود فراغ بعد انسحاب الولايات المتحدة من سوريا حيث ستكون الجماعات الإرهابية حريصة على سدها.”


في الواقع، إن الأمور ليست بهذه البساطة. ستحمل القوات التركية أكثر من طاقتها في حال إذا حاولت احتلال كامل مساحة الأرض الواقعة إلى الشرق من الفرات التي ستخليها الولايات المتحدة، والتي تصل إلى ما يقرب من ثلث مساحة سوريا.


لن يرحب الكرد والقبائل العربية بالاحتلال التركي، بينما قد ترغب مجموعات داعش المتبقية في الاستفادة من أي فراغ في السلطة يتركه الأمريكيون المغادرون.


كما أن الحكومة السورية ثابتة في التزامها باستعادة السيطرة على جميع أراضيها، لا سيما المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات التي تحتوي على حقول النفط وموارد المياه السورية. إن السيطرة على حقول النفط أمر حيوي بالنسبة لدمشق لأنها توفر مصدراً رئيسياً للدخل.


كانت سوريا تنتج قبل الحرب 387 ألف برميل يومياً، وكان الجزء الأكبر منها يأتي من المنطقة الشرقية.


يكفي القول أن هناك خليطاً محتقناً من السياسة والأمن والنفط في المنطقة الواقعة شرقي نهر الفرات، حيث يجب التعامل معه بحذر شديد. ومن الواضح أن تركيا غير قادرة على التعامل مع هذا الوضع بمفردها.


لكن من المتوقع أن تلعب روسيا دوراً رئيسياً هناك كمفاوض وحاكم وضامن. يوجد هناك عدة احتمالات: ستضطر روسيا إلى كبح جماح تركيا في نقل قواتها إلى عمق الأراضي السورية، في الوقت الذي تأخذ فيه مخاوف أنقرة الأمنية المشروعة بعين الاعتبار وتسعى لإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود.


بمعنى أن على روسيا أن تستفيد من نفوذها مع المقاتلين الكرد لخروجهم من المنطقة الحدودية، بينما تسهل أيضاً عملية المصالحة بين الكرد والحكومة السورية بطريقة تنص على عودة المناطق الواقعة شرقي الفرات لسيطرة دمشق.


التفاوض في موقف ضعيف


سيكون الكرد في موقف الضعيف في المفاوضات، لكن الشيء الجيد هو أنهم سيجدون في الروس محاوراً مألوفاً وأنهم كانوا دائماً في مستوى جيد من العيش المشترك مع القوات الحكومية السورية في شمالي البلاد خلال السنوات السبع الماضية من الصراع.


تبرز المشكلة فيما إذا حاولت تركيا جلب مقاتلي جماعات المعارضة السورية الذين يأتمرون بأمرها بهدف تسويتهم في المنطقة الشمالية الشرقية. بالطبع لن تقبل دمشق بأي محاولة من جانب تركيا يُنظر إليها على أنها إعادة إنتاج لجماعات المعارضة المهزومة، بينما سيقف الكرد ضد أية محاولة تركية تسعى لاستعمار وطنهم التقليدي.


بالمقارنة، قد يستقر الوضع دون مزيد من الصعوبات جنوباً على الحدود السورية العراقية في منطقة التنف، حيث تمتلك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية ومنطقة أمنية تبلغ مساحتها 50 كيلومتراً مربعاً. ومن المؤكد أن قوات الحكومة السورية ستستعيد السيطرة على تلك المنطقة.


وهذا يعني إعادة فتح الطريق السريع الذي يربط سوريا بإيران عبر العراق.


من المفارقات، أنه في الحين الذي تبدو فيه تركيا “الرابح” عند إخلاء الولايات المتحدة جنودها من سوريا، فإن اعتماد تركيا بالمقابل على المساعدة الروسية وحسن النية في تزايد مستمر. وسيكون الأمر كذلك عندما تبدأ العملية السياسية في جنيف ويتم صياغة الدستور السوري الجديد – تليها الانتخابات.


في الواقع، ستكون دمشق “الرابح الرئيسي” بعد الانسحاب الأمريكي. لقد أصبح استقرار الوضع في سوريا أكثر سهولة مع إسدال الستار عن الحرب بالوكالة بين الأمريكان والروس في سوريا. كيف سيكون طراز النظام السوري الذي يمكن أن نتوقعه في مرحلة ما بعد الصراع أو في مرحلة سوريا الجديدة؟


في تغريدة له قال الرئيس ترامب بأن المملكة العربية السعودية قد وعدت بتمويل مرحلة إعادة الإعمار في سوريا. هذا يعني أن الولايات المتحدة لم تعد تفرض الحصار على سوريا. وبالمثل، فإن هذا يتلاءم مع الاتجاه الناشئ المتمثل في “عودة قبول” سوريا إلى العالم العربي.


بالطبع، كان لاحتضان وزير الخارجية السوري ونظيره البحريني بعضهما البعض على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول الماضي وقعاً مثيراً. ومنذ ذلك الحين، تسافر الوفود العربية إلى دمشق للتحضير لإعادة فتح البعثات الدبلوماسية، وكانت البداية من دولة الإمارات العربية المتحدة التي أعلنت اليوم إعادة فتح سفارتها في دمشق.


العودة إلى الحظيرة


وقد تم اتخاذ خطوة كبيرة نحو الأمام مؤخراً بزيارة رسمية إلى القاهرة من قبل رئيس المخابرات السورية وعضو الدائرة الضيقة حول الرئيس بشار الأسد علي مملوك بدعوة من نظيره المصري عباس كامل ناقشا خلالها “القضايا السياسية والأمنية ومكافحة الإرهاب”.


وتأتي محادثات مملوك في القاهرة بعد أسبوع واحد فقط من زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لدمشق التي كانت أول زيارة رسمية يقوم بها زعيم عربي لسوريا منذ اندلاع الحرب في العام 2011.


وتعتزم الجزائر دعوة الأسد لحضور قمة الجامعة العربية في مارس/آذار القادم، بعد سبع سنوات من تعليق عضوية سوريا من الجامعة المكونة من 22 عضواً.


والحقيقة الواضحة في هذا كله هو أن حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين في الشرق الأوسط المسلم بدأوا باستعادة العلاقات مع سوريا بقبول ضمني أو تشجيع من واشنطن. من الواضح تماماً أنه لدى واشنطن اعتقاد بضرورة دفع النظام السوري للعودة إلى سياساته الإقليمية التقليدية المتنوعة والتي لن تعتمد بشكل كبير على دعم إيراني.


لا شك أن إسرائيل تراقب التطورات عن كثب. إن إقامة اتصالات رسمية بين وكالات الاستخبارات في كل من سوريا ومصر يجب أن تكون ذات أهمية استثنائية بالنسبة لاسرائيل، والتي من شأنها أن ترى إمكانية استخدامها كقناة لدمشق.


إذا صمدت هذه الاتجاهات، فمن المعقول تماماً أنه في الوقت الذي تنتهي فيه اسرائيل من الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في أبريل/نيسان وتشكيل حكومة جديدة، قد يكون لها جار سوري أكثر انسجاماً. وفي حال إذا حدث ذلك، فإن المسألة المربكة المتمثلة في وجود إيران في سوريا لم تعد تحمل في طياتها إيحاءات وجودية بالنسبة لاسرائيل.